منتديات مصرية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

اذهب الى الأسفل
admin
admin
مدير الموقع
مدير الموقع
ذكر
رقم العضوية : 1
عدد المساهمات : 13582
التقييم : 2521
تاريخ التسجيل : 05/11/2010
العمر : 57
الطريق الى بيت المقدس 3913
http://masrya.ahlamontada.org

الطريق الى بيت المقدس Empty الطريق الى بيت المقدس

الجمعة 17 ديسمبر 2010, 4:05 pm
التحرك نحو بيت المقدس
في يوم 13 من يناير 1099م (492هـ) تحرَّكت الجيوش الصليبية ناحية الهدف الرئيسي التي خرجت من أجله وهو احتلال بيت المقدس، وتفاوتت الروايات في تقدير عدد الجيش الصليبي الذي خرج من أنطاكية وما حولها لغزو فلسطين، فالمقلِّل يصل إلى ستة آلاف مقاتل فقط[1]، والمكثِّر يصل به إلى ثمانين ألفًا من الصليبيين، وهو في الحالتين بعيدٌ جدًّا عن الأرقام التي عرَفناها عند نزولهم أرض الإسلام؛ إذ كان الجنود في أقلِّ تقدير ثلاثمائة ألف مقاتل.



وهذا النقص الحادُّ في العدوِّ إنما كان للمعارك المتتالية، وللموت أثناء الانتقال والحصار وفترات الجوع الطويلة، وكذلك لانفصال جيش بلدوين في الرها وبوهيموند في أنطاكية، ولترك حامية صليبية في كل مدينة يحتلونها بدءًا من نيقية وانتهاءً بمعرَّة النعمان جنوب أنطاكية؛ غير أنِّي أُرَجِّح أن الجيش كان في حدود ثمانين ألفًا أو نحوها؛ لأن المسافة التي اخترقها الجيش داخل أراضي سوريا ولبنان وفلسطين كبيرة يصعب فيها أن يتحرَّك ستة آلاف جندي فقط دون حماية، كما أنه لو لم يتبقَّ من الثلاثمائة ألف إلا ستة آلاف فقط لكان قرارهم -دون أدنى شكٍّ- هو الرجوع إلى أوربا والنجاة بالنفس، فضلاً عن أن معظم المعارك التي اشترك فيها الصليبيون كان النصر حليفهم، ولم نسمع عن قتلى بهذه الأعداد الضخمة، سواء في صفِّهم أو في صف المسلمين المهزومين.



خيانة الحكام المسلمين
تحرَّكت الجيوش بقيادة ريمون الرابع، وهو وإن كان يرتدي ملابس الحُجَّاج ويُعْلِن خدمة الربِّ إلاَّ أنه كان في منتهى الغيظ والحنق لعدم حصوله على إمارة حتى هذه اللحظة كزميليه بلدوين وبوهيموند، وهذا أثَّرَ في قراراته كما سيتَبَيَّن لنا من رحلته للقدس.



سار الصليبيون جنوبًا، وهم يقتربون من الساحل أحيانًا، ويتعمَّقون في الداخل أحيانًا أخرى، وكانوا في طريقهم يمرُّون بمدن إسلامية صرفة، ومع ذلك فقد كان ردُّ فعل هذه المدن في منتهى الخزي!



لقد أسرع الحُكَّام والأهالي في هذه المدن بتقديم الهدايا الثمينة والمؤن، بل والأدِلَّة للجيش الصليبي بُغْيَة الحصول على رضاه، وتجنُّب وحشيته[2]، وكانت أخبار مذبحتي أنطاكية ومعرَّة النعمان قد وصلت إلى كل مكانٍ، ففعلت فعلها في إرهاب الشعوب حتى تفقد كلَّ أمل في المقاومة، ويصبح كلُّ همِّها البحث عن لحظات حياة أطول، ولو كانت هذه اللحظات تعيسة أو مَهِينَة، تمامًا كما فعلت مذبحة دير ياسين التي قام بها اليهود سنة (1367هـ) 1948م لتسهيل مهمَّة احتلال فلسطين، والتاريخ يتكرَّر!!



فمن الأمثلة الشاذَّة التي رأيناها ما حدث من أمير شيزر عندما تعهَّد لريمون ألاَّ يعترض طريق الصليبيين أثناء اختراقهم إقليم شيزر، وأن يُقَدِّم لهم ما يحتاجون إليه من الغذاء والمئُونة، بل وقدَّم لهم دليلَيْنِ أرشدوا الصليبيين في أثناء عبورهم إقليم العاصي[3]!



وكذلك رأينا أمير حمص جناح الدولة حسين بن ملاعب -الذي كان يقاتل الصليبيين منذ شهور مع كربوغا- يُرسِل وفدًا محمَّلاً بالهدايا الثمينة يخطب ودَّ المحتلين؛ لكي لا يتعرَّضوا لإمارته بسوء[4].



لقد كانوا يحكمون إمارات غير صالحة للاستقلال أبدًا، فالمساحات صغيرة والشعوب ضعيفة والإمكانيات هزيلة، ولكنهم يَقْنَعُون بها ليحتفظوا بالعرش، ولو كان عرشًا زائفًا لا قيمة له!!



الصليبييون وتواطؤ العبيديين الشيعة
ثم مرَّ الجيش الصليبي على مدينة طرابُلُس اللُّبنانيَّة، وكانت هذه المدينة مقرَّ حُكم أحد العائلات الشيعيَّة، وهي عائلة بني عمَّار، وحاكمها في ذلك الوقت هو فخر الملك أبو عليّ، ومع كونها شيعيَّة إلاَّ أنها كانت منشقَّة عن الدولة العبيدية بمصر، وكانت هذه المدينة تُسيطر على عدَّة مدن وقرى مجاورة مكوِّنة بذلك إمارة واسعة نسبيًّا، تحكم عدَّة مناطق في لُبنان وسوريا.



قرَّر فخر الملك أبو علي بن عمار أن يُهَادن الصليبيين، فرفع أعلامهم على أسوار مدينته دلالة تبعيته لهم، وأقرَّ بدفع جزية لهم، وأرسل إليه ريمون الرابع بعض رسله للتفاوض فدخلوا مدينته ثم عادوا إلى ريمون بالأخبار السعيدة: إن المدينة شديدة الثراء، عظيمة الجمال[5]. وسال لُعاب ريمون الرابع، ونسِيَ قضية القدس، وتجاهل ملابس الحجاج، ووجد في طرابلس الفرصة لتحقيق حلم الإمارة الخاصَّة به!



فكَّر ريمون ومن معه من القادة أن يضغطوا عسكريًّا على المدينة أو أعمالها لكي يَزيدوا في الجزية المعروضة أو أن يُسقطوا المدينة تمامًا، وهذا -لا شكَّ- أفضل[6].



حصار مدينة عرقة
توجَّه ريمون لحصار مدينة تسمى عِرْقَةَ شرق طرابلس، وهي تتبع طرابلس، وفي ذات الوقت هي مدينة غنية بمياهها وثرواتها الطبيعية، واتجه جودفري وروبرت لحصار مدينة جبلة، وهي مدينة ساحلية سوريَّة جنوب اللاذقيَّة تتبع أيضًا طرابلس، وسرعان ما أعلنت جبلة استسلامها بعد حصار تسعة أيام من 2 إلى 11 مارس 1099م، وأقرَّت بدفع جزية وفيرة من المال والخيول[7]، غير أن عِرْقَةَ صمدت[8]، وكانت مدينة حصينة فشل ريمون في إسقاطها.



اضطر ريمون أن يستنجد بجودفري وروبرت لإسقاط عِرْقَةَ فجاءا إليه واشتركا معه في الحصار[9]، وهذه الاستغاثة من ريمون رفعت من أسهم جودفري وقلَّلت من أسهمه هو؛ فقد صار الصليبيون ينظرون إلى جودفري على أنه القائد العامُّ وليس ريمون الرابع.



رسالة الإمبراطور البيزنطي
استمرَّ الحصار حول عِرْقَةَ فترة طويلة، وبدا للصليبيين أنهم سيُكَرِّرُون مأساة أنطاكية، وفي هذه الأثناء وفي 10 من إبريل 1099م وصلت رسالة من الإمبراطور البيزنطي تعرض عليهم أن ينتظروه إلى آخر يونية، وسوف يأتي بجيش كبير للاشتراك معهم في غزو بيت المقدس، وسيتحمَّل تكاليف الحملة كلها[10]. والواضح أن الإمبراطور البيزنطي كان يعمل على كل الجهات، ويتعامل بحرفيَّة عالية جدًّا مع الأمور، ويعرف احتياج الصليبيين إلى المساعدة.



اجتمع الصليبيون لمناقشة رأي الإمبراطور، ولا شك أنهم كانوا في أزمة، خاصةً أن أدهمار -المندوب البابوي- كان قد مات في أنطاكية بعد سقوطها بعدة أيام، وافتقد الجيش الصليبي الزعامة الرُّوحيَّة المجمِّعة، وصار كقوات التحالف التي لا يربطها رباط وثيق، فقد يقوم الإمبراطور بهذا الرباط[11]، فوق أنه ستحمل تبعات خطيرة سواء في الأموال أو في الأرواح، فكانت هذه إيجابيات واضحة، لكنها لم تكن بلا سلبيات، فالإمبراطور مخادع، وقد يكون هذا مجرَّد تخدير للجيش الصليبي، وقد تركهم قبل ذلك لمصيرهم في حرب كربوغا مع أنه وعدهم بالقدوم لنُصرتهم، ثم هو يتعامل مع العبيديين الذين كانوا يحكمون بيت المقدس الآن، هذا كله إضافةً إلى أن قدومه سيجعل بيت المقدس حقًّا خالصًا له، وهم -أي الزعماء الصليبيين- يريدونه لهم لا للإمبراطور.



ماذا رأى الزعماء الصليبيون؟!
تزعَّم ريمون الرابع رأيًا يُنادي بانتظار الإمبراطور، وهذا الرأي لم يكن بالطبع لمصلحة الجيوش الصليبيَّة إنما كان لمصلحته هو، فالانتظار سيعطيه فرصة أكبر لتحقيق حلمه بتكوين إمارة له في طرابلس، وقد تساعده في ذلك القوات البيزنطية، وسوف يعلم الإمبراطور البيزنطي القوي أن ريمون الرابع كان مناصرًا له، وهذا قد يساعده كثيرًا في استقرار أوضاعه[12].



أمَّا جودفري بوايون فقد رأى رأيًا آخر، لقد رأى أن انتظار الإمبراطور تضييعٌ للوقت وللجهد، وبِنَاء لقصور من الرمال، وأنه من الأصلح أن تتوجَّه الجيوش مباشرة إلى بيت المقدس[13]، خاصَّة أن المقاومة الإسلاميَّة منعدمة في هذه المناطق حتى الآن.



وتَنَازَعَ الزعيمان، وظهر التوتُّر بينهما، والقضية لم تكن خالصة للربِّ؛ فريمون له أطماع في طرابلس، وجودفري له أطماع في بيت المقدس، والأطماع متعارضة وإن كان الجيش واحد!!



وقف الزعماء جميعًا مع رأي جودفري بوايون، وهذا رفع أسهمه أكثر وأكثر، وصار فعليًّا القائد الأعلى للجيوش الصليبيَّة[14]، وعاند ريمون وأصرَّ على استكمال حصار عِرْقَةَ حتى إسقاطها، على الرغم من مرور أكثر من شهرين على حصارها دون فائدة[15].



وتأزَّم الموقف ومرَّت الأيام!!



وأخيرًا، وفي (492هـ) 13 من مايو 1099م، وبعد حصار ثلاثة أشهر ونصف، اضطر ريمون لرفع الحصار لفشله في إسقاط المدينة الصغيرة عِرقة[16]، ولا شكَّ أن إسقاط طرابلس ذاتها سيكون أصعب وأصعب، ونزل ريمون على رأي جودفري وبقية الزعماء وقبلوا بجزية فخر الملك بن عمَّار[17]، وأكملوا الطريق إلى بيت المقدس، بعد أن فقدوا وقتًا غاليًا، خاصَّة أن شهور الصيف قد قاربت على البدء، وهكذا بدأ الصليبيون في الاستعداد للرحيل، إلا أنهم فوجئوا بسفارة عبيدية مصرية تأتيهم عند أسوار طرابلس!!



د. راغب السرجاني


--------------------------------------------------------------------------------

[1] Chalandon: Premiere Croisade p 253.

[2] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص127.

[3] Guillame de Tyr, p. 265 & Gesta Fancorum, p. 181 & Raymond d`Agiles, pp. 272-273.

ولم يشر ابن الأثير عن هذه التفصيلات بل اكتفى بقوله "وراسلهم منقذ، صاحب شيزر، فصالحهم عليها" الكامل في التاريخ 9/16.

[4] المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص274، ولم يذكر ابن الأثير عن ذلك شيئًا واكتفى بقوله "وساروا إلى حمص وحصروها، فصالحهم صاحبها جناح الدولة" الكامل في التاريخ 9/16.

[5] Raymond: op. cit., p. 31.

[6] Crousset: Hist. des Crosiades, 1, pp. 132-133.

[7] Gesta Fancorum, p. 187 & Albert d`Alix, p. 453.

[8] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/16.

[9] Gesta Fancorum, p. 187 & Albert d`Alix, p. 453.

[10] Guillaume de Tyr, p. 307.

[11] Chalandon: Alexis Comnene, pp. 214-215.

[12] Grousset: Hist, des Croisades, 1, p. 138.

[13] Michaud: op. cit., p. 361.

[14] Albert d`Alix, pp. 455 & Raymond d`Agiles, p. 289.

[15] المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص276، وذكر ابن الأثير أن الحصار دام أربعة أشهر الكامل في التاريخ 9/16.

[16] Stevenson: op. cit p. 32.

[17] Raymovd d`Agiles, p. 285 & Guilaume de Tyr, pp. 308-309.

المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277.


الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى